التصميم
لعل مفردة ” التصميم” هي من المفردات الأكثر شيوعا على مستوى العالم في السنوات الأخيرة، ومع هذا التوجه الكبير نحو الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي والاعتماد على الجانب المرئي في كل جوانب الحياة، فقد أصبح كل شيء يحتاج الى تصميم، بفعل التوجه الكبير للتكنولوجيا وزيادة الحاجة والاعتماد على المواد المرئية أكثر من غيرها في كل مجال في حياتنا اليومية!.
فهذه المفردة انطلقت لتخوض في العالم التطبيقي بكل مناحي الحياة على الإطلاق، فلو تذكرت مجريات يومك البسيطة ستجد أنك تستيقظ صباحاً على صوت منبه الهاتف وهو (تصميم)، ثم تخرج لتركب سيارتك وهو (تصميم) أو حتى عند ركوبك في المواصلات العامة وأنت تشاهد النشرات التوضيحية لطريقك والمحطات التي ستقطعها وهو (تصميم)، ومن ثم تذهب الى عملك او كليتك فتدخل البناء وهو (تصميم)، وهكذا في كل مكان وفي كل جزئية في حياتك في السوق والمطعم وعند اجراءاتك المصرفية وفي حياتك الاجتماعية وغيرها.
مع كل هذه الحاجة إلى التصميم..
– هل سألت نفسك يوماً كيف يتم هذا التصميم؟
– ما هي العوامل التي جعلت تصميماً معيناً مختلفاً عن تصميم آخر؟
– من أين بدأ التصميم حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم؟
لعل أهم سؤال يرافق هذا الشيوع والانتشار لمفردة التصميم هو:
هل هناك محددات معينة لكي تنتج التصميم أم أن تعلمَّك لبعض الأدوات ستجعلك مصمماً في يوم وليلة؟
الجواب: بالتأكيد لا، حيث ان هناك تاريخاً طويلاً يمتد لمئات السنوات منذ انطلاق مفهوم التصميم وحتى وصوله الى شكله الحالي، ومن أهم الجزئيات التي تحدد تصاميمنا هذا اليوم هي المناهج التصميمية Design-Oriented Approaches التي تعدُّ دليلاً ومرجعاً لكل مصمم يبني عليها أفكاره ويضع على أساسها خطته قبل أن يشرع في بناء تصميمه.
في هذا المقال سنحاول أن نشرح جانباً مهماً جداً من رحلة انتاج التصميم المتمثل بـ”المنهجيات التصميمية” وجزئياتها وفوائدها واستعمالاتها في إنتاج الناتج النهائي الذي نتعامل معه في حياتنا اليومية.
محاولين بذلك تقديم نماذج سهلة لكل منهجية ومدى جدواها، والفائدة منها في عملية الإنتاج النهائي للتصميم.
اقرا ايضا: التحول الرقمي .. مفتاح البقاء والريادة في عصر التكنولوجيا
Design Thinking
يركز هذا المبدأ على استخدام الإبداع والتفكير خارج الصندوق من أجل إنتاج قيمة مضافة إلى التصميم الجديد (المبتكر) الذي سيتم إنتاجه، ويمر هذا النهج بعدة مراحل، وهي التعاطف، تحديد المشكلة، توليد الأفكار، النمذجة، الاختبار.
ولعل إحدى أهم نتائج تمخّض عن النهج في تاريخ البشرية هو تصميم الكرسي المتحرك لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث بدأ بالتعاطف مع ذوي الاحتياجات الخاصة ثم تم تحديد مشكلتهم فتولدت أفكار عديدة قادت إلى عدة نماذج مرّت باختبارات كثيرة حتى وصلت الى الشكل النهائي المبتكر للكرسي الذي حل مشكلة ملايين من البشر.
ولو أردنا مثالاً معاصراً فقصة فرشاة أسنان Oral-B المخصصة للأطفال مثال رائع على تقديم نموذج جديد واكتساح السوق باستخدام Desgin Thinking ، حيث عمدت الشركة المصنعة إلى دراسة كيفية مسك الأطفال لفرشاة الأسنان بطريقة مريحة، مما قادها إلى اقتراح نموذج أكثر سمكاً من الأسفل، وكانت نقلة مميزة تلاها الكثير من التحسينات في الأشكال والألوان لتكون الرائدة في عالم فرش أسنان الأطفال.

User-Centered Design
يرتكز هذا المنهج بشكل كبير جداً على المستخدم بوصفه مركز الاهتمام وتولّد هذا التصميم وفقاً لاحتياجاته وتفضيلاته، أثناء استخدام المنتج، وكيف يمكن أن يكون التصميم وسيلة لكسب ثقة المستخدم من خلال توفير احتياجه الذي يشعر بالراحة معه.
وإذا أردنا أن نضرب مثالاً على أهمية التصميم المرتكز على المستخدم، فنستطيع أن نلحظ كيف خطف محرك البحث جوجل الأضواء، وأنهى سطوة محرك yahoo بعد أن كان متسيداً لسنوات بفضل واجهة البحث، حيث أنه في الألفية الجديدة وجدوا أن المستخدمين يميلون إلى البساطة والعملية بعيداً عن الفوضى والتشتيت، فقدمت جوجل واجهة بسيطة لا تتعدى شريط البحث، وهو ما يطلبه المستخدم الذي يدخل ليبحث مثلاً، فهو لا يطلب الكثير من الإضافات الزائدة مثل شريط الأخبار والصور الكثيرة والمربعات المشتتة التي كان يستخدمها محرك yahoo، وبهذا التصميم أجبر جوجل ياهو بعد سنوات من التطوير الى تقليد واجهة بحث جوجل بشكل حرفي معلنة الاستسلام لمنافسها.

Human-Centered Design
يرتكز هذا المنهج على الإنسان بصفته البشرية، وما يميزه عن المنهج السابق الذي يتعامل مع الإنسان كمستخدم، أن هذا المنهج يعمل وفق فكرة تقوم على إنتاج تصميم او منتج نهائي يخدم ويراعي الحاجات البشرية العاطفية أو الثقافية و الاجتماعية، فهو بهذا يقدّم قيمة مضافة يتم تسويقها على أنها تساعد الإنسان وتضيف أو تحسن من حياته شيئاً، وليس فقط تحقق الضروري والأساسي في اجتياجاته التي تقوم فلسفة المنهج السابق عليها.
ولعلّ ابرز مثال على هذا المنهج هو اختراع ماكينة غسل الأواني، فلا يوجد امرأة بالعالم لا تتضايق من غسل الصحون، ولعلّها الوظيفة الأصعب والأكثر طلباً، حتى في المطاعم حيث تستغرق وقتاً وجهداً بدنياً، وقد تسبب عدداً من المشاكل الصحية مثل الحساسية بسبب المواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف، فحرّكت هذه الفكرة سيدةً ثرية تدعى Josephine Cochrane لتخترع (غسالة الصحون) لأول مرة في عام 1886، فوقوف سيدة ثرية وصرفها وقتاً وجهداً من أجل غسل صحون أمرٌ لم يُقنعها ولم ترتضيه، فقالت مقولتها الشهيرة: “إذا لم يغسل أحد أطباقي كما أريد، فسأخترع آلة تقوم بذلك”
وهذا يدل على أن هذا النهج من التصميم هو في الغالب قائم على فكرة إبداعية تتأسس على رغبة في تحسين الحياة ، فتم تقديم هذا النموذج التصميمي الذي غيّر حياة الكثير من النساء حول العالم وأصبح جزءاً لا يتجزأ من كل بيت في عصرنا الحديث.
وهناك نموذج آخر حديث الآن بإمكاننا أن نعدّه غسالة صحون الألفية الجديدة وهو روبوت الكنس والمسح المنزلي، حيث بدأ يتحوّل في كل البيوت ليصبح قطعة أساسية فيها، وأظن أن الذي اخترعه وقدمه قد تم إلهامه بغسالة الصحون وباستخدام فلسفة هذا النهج التصميمي هذا أيضاً.

Emotional Design
يعتمد هذا المنهج بشكل عام على العواطف البشرية ويصنع جسراً بين المنتج والمستهلك يعتمد على العواطف بشكل أساس، حيث يقدم المنتج قيمة عاطفية إيجابية ينال بها رضا المستهلك وولائه لمنتجه، ويظهر الكثير من الإبداع في هذا المنهج حيث يختلف التصميم باختلاف الإنتاج أو الرسالة التي يتم تقديمها من خلاله، فيتم إنتاج الصور والفيديوهات التي تتسم بالطابع القديم لإثارة الحنين لدى المستهلك، ويتم استخدام الألوان الزاهية للكعك والشوكولاته لجذب نظر الأطفال في داخل الماركت، وعلى المستوى الشخصي بينما كنت أبحث عن سيارة في فترة سابقة أغرمت بالألوان الزاهية الجديدة التي قدمتها شركة Opel في سياراتها فئة Mokka فلونها وهي تمشي في الشارع يبعث على البهجة ويعطي طاقة إيجابية بعد أن مللنا من النموذج المعتاد للسيارات البيضاء التي تملأ الشوارع وهذا صنع علاقة عاطفية بيني أنا المستخدم وبين مصنع ومنتج هذا التصميم من السيارة وحقق غاية المبيعات والتسويق بشكل مثالي.
وكذا الامر بالنسبة لأجهزة الموبايل التي تصمم بالوان زاهية ولامعة وتصبح الوان تصميمها بحد ذاتها وسيلة للتسويق.

Cooperative Design
يقوم هذا المنهج بشكل رئيس على الشراكة بين المصمم بشكل أولي وبين متلقي التصميم داخل عمل مؤسسي معين، مثل أن تكون الشراكة ومستوى التقارب كبيراً بين المصمم وبين قسم التسويق أو الإعلان أو القسم اللوجيستي، بحيث يكون هناك عمل تشاركي وتعاون يوضح الأفكار بين الطرفين ضمن نطاق تنظيمي أكثر، من أجل الوصول إلى الناتج النهائي المطلوب.
ولهذه المنهجية سلبيات وايجابيات
فمن الإيجابيات على سبيل المثال بحسب تجربتي فإنها:
– تقلل من الوقت المطلوب لإنتاج التصميم والعمل النهائي.
– تقلل حجم التعديلات اللاحقة بعد تسليم التصميم الأولي.
– توفر أرضية تشاركية وتقرب وجهات النظر والعلاقة بين أعضاء الفريق الواحد.
وإذا نظرنا للسلبيات فبحكم تجربة مررتُ بها أيضاً، كمصمم في إحدى الشركات التي كانت محدداتها كثيرة في الشكل البصري للمنتج، فإني وجدتُ أنها تقلل الإبداع وتقيد المصمم بشكل كبير رغم الميزات التي توفرها، حيث إنهم يطلبون استبعاد ألوان معينة، واستخدام صور معينة وأنماط معينة بطريقة تقيّد الفضاء الإبداعي للمصمم، فالتفاهم والتقارب رغم أهميته إلا أنه يترتّب عليه تخلّي أحد الطرفين عن فضاء التحليق بحرّية في بناء نموذجه التصميمي.

اقرا ايضا: التسويق الرقمي .. دليل شامل للمبتدئين
Design-Driven Innovation
يُعدّ هذا المنهج من المناهج المميزة التي تقوم على فلسفة تأسيس رابط عاطفي بين المستخدم والمصمم عن طريق استخدام الإبداع والابتكار كأداة لتكون هذا الرابط، حيث يعمل المصمم الذي يجري تصميمه وفق هذا المنهج الى ابتكار أمور تجعل المستخدم “أسعد”، “أكثر راحة”، “منبهر” من أجل ضمان ولاء المستخدم للمنتج الذي تم تصميمه، ولعل أبرز مثال على هذا التفكير وأكثره رواجاً هو شركة Apple المشهورة بالعلاقة والرابط الوثيق بينها وبين عملائها، لدرجة أن بعض الخبراء وصلوا إلى قناعة أن الشركة لا تحتاج إلى إعلان، فولاء عملائها وحبهم وتعلقهم العاطفي بمنتجاتها أفضل من أي ترويج، حيث يقوم المستخدم بالترويج للمنتج وكأنه من صنعه !
ولم تستطع apple الوصول إلى هذا المستوى من الثقة والمقبولية الفائقة إلا عن عبر فلسفة (العميل أولاً) فعملت على إرضاء العميل وتقديم تجربة مستخدم فريدة وتطوير الجهاز بما يتوافق مع راحة المستخدم دون تكلف وبهرجة كثيرة، ومن الممكن أن نعدّ شركة Apple أحد أهم الأمثلة التي توافق مفهوم Less is More، وهذا النجاح يستحق أن يدرس في الحقيقة.

في الختام
إن التصميم ليس مجرد شيء جديد في الشكل أو الوظيفة، بل هو عملية معقدة تتضمن العديد من الجوانب المختلفة، وتقوم على المنهجيات الموجهة للتصميم مثل التصميم التعاوني، التصميم المدعوم بالمستخدم، التصميم العاطفي، و التصميم المدعوم بالبشر، وهي توفر طرقًا مختلفة لتحسين التصميمات وجعلها أكثر ملاءمة لاحتياجات المستخدمين والمجتمع، ومن خلال هذه المنهجيات، يمكن للمصممين إنشاء حلول تعكس مشاعر الناس واحتياجاتهم بشكل أفضل، مما يساعد في تحسين التجربة اليومية لهم.
وعليه يمكننا القول أن التصميم يحتاج إلى أكثر من مجرد التفكير في كيفية جعل المنتج يبدو جيدًا أو يعمل بكفاءة. إذ يجب أن يكون التصميم مدروسًا بعناية ليخدم الناس ويأخذ في الحسبان مشاعرهم واحتياجاتهم، وإذا تم دمج هذه المنهجيات معًا فيمكن حينئذ للتصميم أن يكون أداة قوية وفاعلة لتحسين حياتنا بشكل عام. ولذلك، فإن من المهم أن يركز المصممون على فهم المجتمع والناس عند إنشاء أي تصميم، لأن هذا يسهم في تقديم حلول مبتكرة ومفيدة وممتعة في الوقت ذاته.